في خطوة تشريعية حاسمة تنذر بفتح فصل جديد من التوتر داخل منظومة العدالة، صادقت لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات بمجلس النواب، على الصيغة النهائية المعدلة لمشروع القانون رقم 66.23 المنظم لمهنة المحاماة. وتأتي هذه المصادقة لتعيد إلى الواجهة الخلاف العميق بين وزارة العدل، بقيادة عبد اللطيف وهبي، وجمعية هيئات المحامين بالمغرب، وسط ترقب لتداعيات هذا النص الجدلي على استقرار العمل والمرفق القضائي.
ماراثون تشريعي وتمرير بالأغلبية
جاءت المصادقة على المشروع بعد واحدة من أكثر الجلسات البرلمانية سخونة خلال الولاية التشريعية الحالية. فقد استغرق اجتماع اللجنة ثماني ساعات متواصلة من النقاشات الحادة، أسفرت عن إدخال 502 تعديل على النص الأصلي.
إعلان
وجرى تمرير المشروع بتأييد 16 نائباً مقابل معارضة 7 نواب، دون تسجيل أي حالة امتناع، ليعكس هذا التصويت التباين الواضح في المواقف حيال قانون يعتبره البعض ركيزة لتحديث المهنة، بينما يراه أصحاب “البدلة السوداء” تهديداً مباشراً لاستقلاليتهم.
شروط ولوج جديدة: صرامة في الانتقاء وتأسيس “المعهد”
حمل مشروع القانون الجديد هندسة جذرية لشروط الولوج إلى مهنة المحاماة، تعكس توجهاً صارماً نحو رفع معايير التكوين والكفاءة. وأبرز ما جاء في المادة الخامسة:
- تحديد السن: حصر سن المترشحين بين 21 و40 سنة.
- المستوى الأكاديمي: اشتراط الحصول على شهادة الماستر أو ما يعادلها في العلوم القانونية.
- التكوين الأساسي: فرض اجتياز مباراة الولوج لـ”المعهد” الجديد الخاص بتكوين المحامين، متبوعاً بفترة تكوين أساسي قبل بدء الممارسة المهنية.
كما تقرر، وفقاً للمادة 11، أن تُنظم مباراة الولوج سنوياً بقرار من وزارة العدل، مع استطلاع رأي جمعية هيئات المحامين لضمان ربط العرض التكويني بالحاجيات الفعلية للمحاكم.
القضاة والجامعيون: مرونة في الإدماج وتخفيف للقيود
في مقابل التشديد على الطلبة، أظهر المشروع مرونة تجاه فئات مهنية أخرى. فقد تم تقليص مدة المنع المفروضة على القضاة السابقين، والموظفين، ورجال السلطة الراغبين في ولوج المهنة من خمس سنوات إلى ثلاث سنوات فقط، شريطة خلو سجلاتهم من أي مخالفات تمس بالشرف.
أما بالنسبة لأساتذة التعليم العالي (تخصص قانون)، فقد نظمت المادة 13 وضعيتهم بإعفائهم من شهادة الكفاءة ومن فترة التمرين العامة، بشرط التوفر على 8 سنوات من التدريس بعد الترسيم، وألا يتجاوز سنهم 55 عاماً، مع إلزامهم بفترة تمرين مصغرة مدتها سنة واحدة داخل مكتب محامٍ.
مكاسب مهنية تصطدم بأزمة “الحكامة واستقلالية النقباء”
تضمن المشروع مستجدات استراتيجية وسعت من دائرة عمل المحامين، حيث سمحت المادة 33 باشتغالهم كـ”وكلاء للمهن الرياضية والفنية”، في استجابة للتحولات الاقتصادية الحديثة. كما تم تكريس حصرية اختصاص المحامين في الترافع والتمثيل القضائي والوساطة.
بالمقابل، شكلت المادة 123 نقطة الانفجار الحقيقية؛ فقد أعادت صياغة الهيكلة التمثيلية لمجالس الهيئات بإلغاء العضوية التلقائية للنقباء السابقين (باستثناء النقيب الممارس والنقيب السابق المباشر)، وإدماج البقية ضمن فئة المحامين الذين تفوق أقدميتهم 20 سنة، ليتباروا على 40% من المقاعد عبر الانتخاب المباشر. هذا التعديل اعتبرته الهيئات ضرباً للرمزية التاريخية للنقباء ومساً بالتركيبة المستقلة للمهنة.
سياق محتقن وأفق مفتوح على التصعيد
يأتي تمرير هذه الصيغة في وقت تتهم فيه جمعية هيئات المحامين الوزارة الوصية بالتنصل من التفاهمات السابقة التي رعاها رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، في فبراير الماضي لإنهاء الإضرابات.
ولضمان عدم حدوث فراغ مؤسساتي، أقرت المادة 145 استمرار العمل مؤقتاً بالقانون الحالي (28.08) ريثما يفتح المعهد الجديد أبوابه. غير أن هذا الانتقال التدريجي قد لا يكون كافياً لتهدئة غضب المحامين، مما يطرح تساؤلات جدية حول إمكانية عودة الاحتجاجات وشل حركة المحاكم في قادم الأيام، في معركة كسر عظم بين إرادة التحديث الحكومية والتشبث التاريخي بالاستقلالية المهنية.
كن أول من يعلق على هذا المقال